تعتبر الوضعيات التعليمية التعلمية النواة الصلبة وعصب المقاربة بالكفايات في المنظومة التربوية المغربية المعاصرة، لا سيما مع تنزيل مستجدات مدرسة الريادة وأهداف خارطة الطريق. فلا يمكن بناء أو تقويم أي كفاية لدى المتعلم بمعزل عن سياق ديداكتيكي يضعه أمام مشكل حقيقي يتطلب الحل. يسر منصة سبورة التعليمية (Saboura.online) أن تقدم للأساتذة والطلبة الباحثين هذا الدليل الشامل لـ تدبير الوضعيات الديداكتيكية من التنظير إلى الممارسة الصفية.
“يسعدنا في موقع سبورة توفير هذا العمل التربوي المتميز للتحميل المباشر؛ ستجدون زر التحميل متاحاً في نهاية هذه الصفحة.”
1. مفهوم الوضعية التعليمية التعلمية وأبرز التعاريف الديداكتيكية
أ. تعريف د. محمد الطاهر (2006) الموسع
“الوضعية التعليمية التعلمية هي سياق ديداكتيكي مُنظّم يضم مجموعة من النصوص الشفوية أو المكتوبة، والأنشطة المتنوعة، والدعامات (وسائط، صور، جداول) التي تُصاغ بشكل متناسق ومترابط؛ والهدف منها وضع المتعلم أمام عقبة معرفية (مشكل) تستفز قدراته وتدفعه لاستدعاء موارده وتوظيفها للوصول إلى الحل.”
ب. تعريف كزافييه روجيرز (المكتب الدولي للتربية BIE-UNESCO)
“الوضعية هي مجموعة من المعلومات (سياق، حوامل، مهام) المترابطة التي يتم وضعها في سياق معين من أجل تحقيق هدف محدد، أو حل مشكلة معقدة تستدعي إدماج مجموعة من المكتسبات.”
2. شروط بناء الوضعية المشكلة في المنهاج الدراسي المغربي
- الواقعية والأصالة (Authenticity): نبع المشكلة من المحيط السوسيو-ثقافي والمعيش لتلميذ الابتدائي المغربي لضمان انخراطه الفعلي وتحقيق وظيفة التعلم الحياتي.
- الملائمة التربوية (Relevance): ملاءمة التحدي للمستوى النمائي والمعرفي للمتعلمين وتوافقه الصارم مع الكفايات والبرامج المقررة رسمياً من وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.
- الخلخلة المعرفية (Conflict Cognitif): أن تتمحور الوضعية حول عائق أو عقبة حقيقية تستفز تمثلات التلاميذ المسبقة وتدفعهم للبحث عن حلول جديدة.
- الصرامة الديداكتيكية (Rigor): صياغة التعليمات الموجهة للمتعلم بدقة بليغة تمنع اللبس وتحدد بوضوح معايير جودة المنتج المنتظر ورصد مؤشرات قياس درجة التقدم.
3. أنواع الوضعيات التعليمية ومجالات تطبيقها في المدرسة المغربية
أ. الوضعية الاستكشافية (وضعية الانطلاق)
تُوظف في مستهل الدرس لرصد التمثلات، وإحداث صراع معرفي محفز يمهد لإرساء الموارد الجديدة.
- مثال تطبيقي مغربي: عرض وثائق وصور رسمية حول أزمة الإجهاد المائي وتراجع حقينة سد المسيرة، لدفع المتعلم للتساؤل ذاتياً عن حلول ترشيد استهلاك الماء الصالح للشرب بمحيطه.
ب. الوضعية الديداكتيكية (أنشطة بناء المفاهيم)
الموقف المركزي الذي يهندسه الأستاذ لابتكار المعرفة ذاتياً عبر آلية العمل المجموعاتي والتعاوني وتجاوز العقبة الصعبة.
- مثال تطبيقي مغربي: حساب تكلفة تزليج ساحة مجموعة مدارس عين قصب باستخدام الشبكات التربيعية لتمكين التلاميذ من صياغة وتجريب قاعدة مساحة المستطيل بشكل ملموس.
ج. الوضعية المهيكلة (أنشطة التركيب والربط)
تأتي مباشرة بعد البناء لترتيب الأفكار المشتتة وتثبيتها في بنية مفاهيمية أو ملخص دال، مثل تنظيم منجزات الدولة العلوية في خط زمني منظم.
د. الوضعية التقويمية (قياس نماء الكفايات)
وضعيات مدمجة ومركبة تقيس مدى تمكن المتعلم من نقل وتعبئة مهاراته في سياقات جديدة ومختلفة، مثل نصوص الانطلاق المركبة المعتمدة في الامتحان الإقليمي الموحد حول محطة نور بورزازات للطاقة الشمسية لتقويم مهارات الفهم والتحليل الإحصائي والإنتاج الكتابي.
4. السيرورة الديداكتيكية ومراحل تدبير الوضعيات في الفصل الدراسي
- مرحلة تملك الوضعية والتعاقد (Dévolution): قراءة السياق وتفكيك الصعوبات اللغوية وشرح التعليمات دون تلميح لطرق الحل لحث المتعلم على تبني التحدي ذهنياً ونفسياً.
- مرحلة الفعل والبحث الفردي (Action): مواجهة المتعلم للعقبة بشكل مستقل عبر استدعاء مكتسباته القبلية واعتماد استراتيجية المحاولة والخطأ في البحث والتجريب.
- مرحلة التوضيح والصياغة المجموعاتية (Formulation): الانتقال إلى العمل التعاوني وصياغة الحلول المشتركة داخل مجموعات الفصل ومناقشتها لغوياً وعلمياً للوصول لنماذج موحدة.
- مرحلة التمرن والتطبيق الجزئي: تقديم تمارين وحل وضعيات موازية مبسطة لاختبار الطلاقة والتحكم في الأداة المعرفية المكتشفة حديثاً لدى التلاميذ فرادى.
- مرحلة المأسسة والحسم التربوي (Institutionnalisation): التدخل الرسمي المباشر للأستاذ لضبط المفاهيم، وتصحيح العوائق المعرفية، وصياغة القاعدة الرسمية الكونية لتُسجل في دفاتر المتعلمين كخلاصة صالحة للتطبيق دائماً.
- مرحلة الاستئناس وإعادة الاستثمار: تدبير أنشطة تطبيقية متنوعة تضمن تثبيت المفهوم المُمأسس وملاءمته مع وضعيات متعددة ومتنوعة الصعوبة.
- مرحلة التحويل والامتداد (Transfert): نقل المعرفة واستثمارها في حل مسائل معقدة وغير مألوفة تؤكد نماء الكفاية الشاملة للمتعلم واستقلاليتهم الذاتية.
5. مفاتيح النجاح التربوي وآفاق مدرسة الجودة بالمملكة
إن النجاح في تدبير الوضعيات الديداكتيكية يتطلب بالضرورة تخطيطاً قبلياً محكماً يظهر بوضوح في الجذاذات التربوية، مع توقع دقيق للمسارات العلاجية لتمثلات التلاميذ وتأثيث الفضاء الصفي بما يخدم بيداغوجيا الفوارق. كما يتعدى أثر الوضعية أسوار القسم ليرتبط بمشاريع المؤسسة المدمجة والمستجدات الوطنية الكبرى، كتحفيز المتعلمين على التميز في مسابقات ممتدة مثل تحدي القراءة العربي أو الأولمبياد الوطنية للرياضيات التي تنمي الكفايات العرضانية والتفكير التحليلي.
وفي الختام، تظل هندسة الوضعيات التعليمية التعلمية التجسيد الفعلي للتوازن الحركي بين أقطاب المثلث الديداكتيكي المكون من الأستاذ، المتعلم، والمعرفة. وهي السبيل الأمثل لتنزيل غايات الإصلاح التربوي وبناء مدرسة الجودة والإنصاف التي تنشدها المملكة المغربية.




خاتمة شكر وتقدير:
نشكر الأستاذ المتميز أيوب لعويشي على إعداد وتقديم هذا العرض التحليلي القيّم لعام 2026، والذي يثري الرصيد المعرفي والتشريعي لنساء ورجال التعليم بالمغرب. نتمنى لجميع زوار موقع سبورة (Saboura.online) التوفيق والنجاح في مسارهم المهني والتحضيري.




